أليس من حق الجوارح أن تُعاتب الجوانح؟!
التاريخ: الثلاثاء 25 سبتمبر 2007
الموضوع: إسلاميات


بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم وارحمنا بهم يا كريم
بقلم حسن الحداد
لا يخفى على أحدنا أن من أسماء يوم القيامة يوم الحسرة يوم يعض الظالم على يديه بسبب ما فرط في جنب الله، وبسبب ما ارتكب من الذنوب وبسبب الغفلة التي أبعدته عن الغاية العظمى التي خُلق من أجلها، ولذلك يُذكر
ما تحسر أهل الجنة على شيء كما تحسروا على ساعة لم يذكروا فيها الله، هذا وهم أهل الجنة فكيف هم أهل النار يا تُرى؟!! وأي حسرة هي التي تغلي في أفئدتهم ؟!!
بعد هذه المقدمة فلنتطرق إلى ...يتبع



موضوع العتاب الذي يحصل يوم القيامة والذي بينته الآيات القرآنية الشريفة من سورة فُصلت من 20 – 23، بسم الله الرحمن الرحيم : (حَتَّى إِذَا مَا جَاؤُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21) وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ (22) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ (23)) وهنا قد استعنت بتفسير الميزان لتبيين بعض ما يتعلق بهذه الآيات الشريفة، قوله تعالى: «ما» في «إذا ما جاءوها» زائد للتأكيد و الضمير للنار. و شهادة الأعضاء أو القوى يوم القيامة ذكرها و إخبارها ما تحملته في الدنيا من معصية صاحبها فهي شهادة أداء لما تحملته ( انتهى تفسير الميزان )، في الآية 21 يعاتب الإنسان أعضاؤه – وليس هذا هو العتاب الذي عنيته من عنوان هذا المقال ــ التي تُخبر بكل ما فعل الإنسان خيرٌ أم شر، جميل أو قبيح، طاعة أو معصية ...

ويا لتعاسة وغفلة هذا الإنسان الذي لم يفكر حينما أقدم على اقتراف المعاصي والجرائم والآثام أن هذه الأعضاء التي يعصي بها هي التي سوف تشهد عليه يوم الحسرة، و لا أدري أي حماقة تلك التي تجعل الإنسان بعد أن يعلم أن أعضاؤه هي الشاهد عليه أن يستتر عن عيون الناس، يا أيها العاصي هل تستطيع أن تحجب وتستر ذنوبك عن أعضائك التي قامت بالمعصية لكي لا تشهد عليك يوم القيامة؟!! قال تعالى: (... إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا) الإسراء 36.

في الآيات السابقة كان الإنسان يُعاتب أعضاء بدنه التي افتضحته أمام الله عز وجل ووضعته في موقف لا يُحسد عليه. في الواقع ما أُريد الوصول إليه هو عتاب أعضاء البدن لهذه النفس التي بين جنبينا، هو لوم الجوارح ( البدن) للجوانح وللشعور والتفكير والحب، كيف ذلك؟!! وهل لها الحق في أن تفعل هذا الشيء؟
نحن نقف للصلاة بين يدي الله عز وجل على أرجلنا، ونتلفظ بالأذكار من قرآن وتسبيح بهذا اللسان، ثم نركع ونسجد، ونقوم ونقعد، ثم إننا قد نصلي جماعة ويتحمل هذا الجسم الوقوف لفترة ربما تكون طويلة نسبيا، وإذا وفقنا الله لصلاة الجمعة واستماع الخطبة قد نُتعب ظهورنا من الجلوس، وفي فريضة الصبح نحرم هذا الجسد من حلاوة النوم وإلى غير ذلك مما يقع على كاهل هذا الجسم، وإذا بعد كل ذلك يتفاجأ الجسم أن الجوانح والشعور والتفكير لم تكن معه في مسيرته، يرى النفس محلقة في وادي غير واديها كأنها غافلة عن إن العبد لا يقبل منه صلاة إلا ما أقبل فيها بقلبه. ويروى الحلبي عن أبي عبدالله (ع) قال: (إذا كنت في صلاتك فعليك بالخشوع والإقبال على صلاتك فإن الله تعالى يقول:
﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾


لك أن تتخيل أيها المصلي لسانك في حال سجوده يتلفظ بـ ( سبحان ربي الأعلى وبحمده ) وإذا بالفكر تائهٌ في صديق أو لاعب أو أي أمر دنيوي آخر، ياله من إحراج لك أيها اللسان أنت تقول "ربي الأعلى وبحمده" والبال مع أمر دنيوي، لا أدري هل أن جوانحنا رأت أن ما تُفكر فيه أحق بالاهتمام من الباري عز وجل، أم أنه صاحب النعم علينا؟!! أم بات هو الرب الأعلى والعياذ بالله؟؟!! لك كل الحق أن تحمر خجلا أيها اللسان...

أو لك أن تتأمل يداك مرفوعتان في القنوت تقول "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" وإذا بالشعور مع شخص أو برنامج دنيوي ليس هذا وقته بتاتا، لا أدري هل صار هذا الشيء الذي نفكر فيه هو الواقي من عذاب النار؟؟!! أم هو الله الذي يجب أن نتوجه إليه بكلنا؟... لا ألوم كفي عندما تتصبب عرقا من خجالة ما وقعت فيه...

ألا ترى الجسم حينما يُعاتب النفس معذورا؟! أعتقد أن له الحق كل الحق في فعل ذلك، ولا أدري إن كانت النفس سوف تتقبل هذا العتاب او لا؟ إذا كان جوابها لا فلا تلومن الجوارح يوم القيامة إذا ما اعترفت أمام الله عز وجل. يجب على النفس أن تخشع في الصلاة من باب رد الجميل لهذا الجسم، إلا إذا كانت تفتقد الأخلاق الكريمة فلا يبقى معنى لعتابها بعد ذلك...


فلننتقل لواجب الوضوء، هذه كفوفنا المسكينة، ووجهنا البريء يتحمل حرارة الماء في الصيف وبرودته في الشتاء، يا تُرى أليس من حق هذه الأعضاء أن تغضب إذا فقدت معونة النفس لها، ألا تعتقد أن من حقها أن تأمر الشعور والقلب بالحضور والتأمل في معاني وألفاظ الوضوء، وحضور نية القرب إلى الله عز وجل لكي يصبح للوضوء معنى، وما يدريكِ أيتها النفس ( الجوانح ) لعل في مؤازرتك للجسد ما يشجعه على سكب الدموع، حيث يمتزج ماء الوضوء بدموع العين حتى تغتسلون معا ( جوانح وجوارح ) بنقاء هذا الماء الذي تطهر بالإخلاص والتوجه.

 

 

أكتفي بهذا المقدار حتى لا يكثر المقدار ،وإن شاء الله أضع حلقة ثانية كتتمة لما ابتدأت
والحمد لله رب العالمين
ولد الحداد
30 / 08 / 2007

 

 







أتى هذا المقال من مجموعة الكساء الشاملة
http://huwaidi.com

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://huwaidi.com/modules.php?name=News&file=article&sid=21